ابن قتيبة الدينوري

131

عيون الأخبار

مطر وندى فلهوا عنه ؛ فلما كان في آخر اللَّيل وذهب السحاب وطلع القمر ، خرجت وهي تريده وقد أصابها الطلّ ، فنشرت شعرها وأعجبتها نفسها ومعها جارية من الحيّ ، فقالت : هل لك في عبّاس ؟ فخرجنا تمشيان ، ونظر إليهما وهو على المرقب ، فظنّ أنهما ممن يطلبه ، فرمى بسهم فما أخطأ قلب الجارية ففلقه ! وصاحت الأخرى ، فانحدر من الجبل وإذا هو بالجارية في دمها ؛ فقال : [ مجزوء الكامل ] نعب الغراب بما كره‍ * ت ولا إزالة للقدر تبكي وأنت قتلتها * فاصبر وإلَّا فانتحر ثم وجأ ( 1 ) في أوداجه بمشاقصه ( 2 ) ، وجاء الحيّ فوجدوهما مقتولين فدفنوهما ! . قال خلَّاد الأرقط : سمعت مشايخنا من أهل مكة يذكرون أن القسّ ( 3 ) ، وهو مولى لبني مخزوم ، كان عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح ، وأنه مرّ يوما بسلَّامة ( 4 ) وهي تغنّي ، فوقف يسمع ؛ فرآه مولاها فدنا منه فقال : هل لك في أن تدخل وتستمع ؟ فأبى ، ولم يزل به فقال : أقعدك في موضع لا تراها ولا تراك ، ففعل ، ثم غنت فأعجبته ؛ فقال : هل لك في أن أحوّلها إليك ؟ فتأبّى . ثم أجاب ، فلم يزل به حتى شغف بها وشغفت به ، وعلم ذلك أهل مكة . فقالت له يوما وقد خلوا : أنا واللَّه أحبّك ؛ فقال : وأنا

--> ( 1 ) وجأ : ضرب ، يقال وجأه باليد والسّكين : إذا ضربه في كل موضع ، والأوداج : جمع ودج وهو عرق في العنق ينتفخ عند الغضب . ( 2 ) المشاقص : جمع مشقص وهو نصل السّهم إذا كان طويلا غير عريض . ( 3 ) هو عبد الرحمن بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية ، وكان فقيها عابدا من عبّاد مكة ، وسمّي القس لعبادته . ( 4 ) سلَّامة : قينة من قيان أهل المدينة وكانت حاذقة ظريفة تجيد الضرب وتحسن الغناء وتقول الشعر ، وكان يقال لها سلَّامة القس نسبة إلى عبد الرحمن المذكور ، وقد أولع بها الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك بن مروان ولعا شديدا راجع أخباره معها في « مروج الذهب للمسعودي ص 181 ج 3 » .